اللحوم الحمراء وعلاقتها بمرض السرطان

0
389

وفي مسألة علاقة اللحوم الحمراء وسرطان القولون (الامعاء الغليظة) يقدم بحث جديد، تفسيرات معقولة عن هذه العلاقة المشكوك فيها طويلا بين الاثنين.

اللحم والدجاج والسمك
وعلى الرغم من ان النتائج تختلف، الا ان الدراسات التي جرت في مختلف انحاء العالم قد اشارت الى ان الاستهلاك العالي للحم مرتبط بالمخاطر العالية للاصابة بسرطان القولون. وفي بعض الدراسات ظهر ان اللحم الطازج هو المسؤول، وفي الدراسات الاخرى تبين انه اللحم المعالج او المقدد او المملح، لكن في جميع الحالات يبدو ان الشك يحوم حول اللحم الاحمر، وليس لحم الدجاج.

وجاء افضل دليل في دراستين كبيرتين اجريتا في العام 2005، واحدة في اوروبا والاخرى في الولايات المتحدة. وكانت الدراسة الاوروبية قد تابعت 478 الف شخص وامرأة من الاصحاء غير المصابين بالسرطان لدى الشروع بالدراسة. وبعد خمس سنوات تقريبا من المتابعة شخص 1329 منهم بسرطان القولون.

فالاشخاص الذين كانوا يتناولون اللحم الاحمر (نحو خمس اونصات يوميا – الاونصة 29 غراما تقريبا) كانوا اكثر احتمالا بنسبة الثلث، في الاصابة بسرطان القولون عن اولئك الذين كانوا يتناولون القليل من اللحم الاحمر (اقل من اونصة واحدة في اليوم كمعدل عام). اما استهلاكهم من الدجاج فلم يؤثر في احتمالات المخاطر بأي شكل من الاشكال، لكن الاستهلاك الكبير من السمك اظهر انه يخفض مخاطر سرطان القولون بنسبة الثلث.

وكانت تأثيرات اللحم الاحمر والسمك قد اعلنت بعد تعديل النتائج الخاصة بعوامل الخطورة الاخرى الممكنة بما في ذلك الوزن واستهلاك السعرات الحرارية وتعاطي المشروبات الكحولية والتدخين والتمارين الرياضية وتناول الوجبات الغذائية الغنية بالالياف والفيتامينات.

اما الدراسة الاميركية التي رعتها الجمعية الاميركية للسرطان فقد اضافت معلومات قيمة حول تأثيرات الاستهلاك الطويل المدى للحم. وكان عدد الذين تناولتهم الدراسة 148610 اشخاص تراوح اعمارهم بين الخمسين والرابعة والسبعين سنة. وقام كل شخص من هؤلاء بتدوين عاداته الغذائية والصحية في مذكراته لدى البدء بالدراسة في العام 1982، ومرة اخرى بعد 10 سنوات الى 11 سنة لاحقا بعد ذلك التاريخ.

وتبين ان الاستهلاك العالي للحوم الحمراء واللحوم المعالجة في كلا التاريخين مرتبط بالزيادة الكبيرة في مخاطر الاصابة بسرطان الجزء الاسفل من القولون والشرج. وعلى العكس تبين ان الاستهلاك الطويل المدى لكميات كبيرة من الاسماك والدجاج هو من الامور الواقية.

وكانت الدراستان مثيرتين للغاية وهما ليستا منفردتين لوحدهما، فقد تبين من تحليل شامل لـ 29 دراسة تناولت استهلاك اللحوم وسرطان القولون ان الاستهلاك العالي للحوم الحمراء زاد من مخاطر المرض بنسبة 28 في المئة، والاستهلاك العالي للحوم المعالجة او المقددة، بنسبة 20 في المئة.

اللحم والسرطان
وكان العلماء قد قدموا عددا من التوضيحات والشروحات التي تتناول العلاقة بين اللحم الاحمر وسرطان القولون. وتلقي احدى النظريات اللوم على الحوامض الامينية المتغيرة الاشكال heterocyclic amines (HCAs) والمواد الكيميائية الناجمة عند طهو اللحم بدرجة حرارة عالية. وقد تكون HCAs هذه تلعب دورا في تطور المرض، ولكن لكون مستويات عالية منها قد تكون موجودة ايضا في الدجاج المطهو، فان ذلك لا يقدم التوضيح الكامل.

وكان قد جرى وضع اللوم على المواد الحافظة للطعام في حالة اللحوم المعالجة والمقددة، وخاصة النترات منها، لكون الجسم يقوم بتحويلها الى «نتروسامينس» nitrosamines التي هي من المواد المسرطنة، الا انه لكون اللحوم الطازجة مرتبطة هي الاخرى ايضا بسرطان القولون، فإن الحافظات لن تشكل وحدها الجواب الكامل الشافي.

وكان العلماء من انجلترا قد خرجوا بتوضيح جديد. وكانت ابحاثهم تشمل تجنيد متطوعين اصحاء وافقوا على البقاء في وحدة خاصة بابحاث التمثيل الغذائي (الاستقلاب)، حيث يمكن التحكم تماما بوجباتهم الغذائية، فضلا عن فضلاتهم التي كان يجري جمعها وتحليلها. وقام هؤلاء بتناول واحدة من ثلاث وجبات اختبارية لفترة استغرقت 15 الى 21 يوما.

وكانت الوجبة الاولى مكونة من نحو 14 اونصة من اللحم الاحمر يوميا محضرة دائما بحيث يتقلص تكوّن HCAs فيها. وكانت الوجبة الثانية نباتية محض، في حين كانت الثالثة تحتوي على مقادير كبيرة من اللحم الاحمر والالياف. واظهرت نتائج فحص الخروج (الغائط) من 21 متطوعا الذين استهلكوا كميات كبيرة من اللحوم نسبا عالية من مركبات «إن – نتروزو» N-nitroso compounds (NOCs) التي هي مواد كيميائية قد تسبب السرطان.

اما المتطوعون الـ 12 الذين تناولوا طعاما نباتيا فقد كانت فضلاتهم تحتوي على نسب قليلة من NOCs، في حين ان الـ 13 الذين تناولوا اللحم مع الوجبات الغنية بالألياف قد انتجوا كميات متوسطة من هذه المركبات في فضلاتهم.

ومثل هذه النتائج كانت مثيرة بحد ذاتها، لكن الدكتورة ميشيل ليوين وزملاءها ذهبوا خطوة ابعد، فقد استطاعوا ان يستخلصوا خلايا من بطانة القولون مغطاة بالخروج مع كل عملية ذهاب طبيعية الى المرحاض للتغوط. وكانت الخلايا من الاشخاص الذين تناولوا وجبات غنية باللحوم قد احتوت على عدد كبير من الخلايا المصابة بتحولات «دي إن أيه» (الحمض النووي المنقوص الاوكسجين)، بسبب مواد الـ NOCs.

اما خروج الاشخاص الذين تناولوا وجبات نباتية تماما، فقد كان لديهم عدد اقل من الخلايا المصابة بمواد تالفة او متضررة جينيا، في حين كان الاشخاص الذين تناولوا اللحوم مع الوجبات الغنية بالالياف قد انتجوا عددا متوسطا من الخلايا التالفة.

نمط غذائي
واظهرت هذه الدراسة البريطانية ان كميات كبيرة من اللحوم الحمراء بمقدورها احداث تلف جيني لخلايا القولون خلال اسابيع قليلة. وهذا اكتشاف مهم بحد ذاته، لكنه لا يثبت لماذا اللحم الاحمر يسبب السرطان، اذ لم تكن ولا واحدة من هذه الخلايا خبيثة، كما ان الجسم مجهز بالعديد من الآليات لتقويم واصلاح الحمض النووي المنقوص الاوكسجين (دي إن أيه) التالف.

وفي غالبية الحالات تكون عملية الاصلاح ناجحة، لكنها عندما تفشل، تتحول الخلايا الى الوضع الخبيث. وزيادة على ذلك فان البحث هذا يتناسب مع المعلومات الاولى الخاصة بالامراض ويرفع علامة الخطر في ما يتعلق باللحوم الحمراء، فبدلا من التعويل على جسمك لاصلاح الحمض النووي المعطوب، عليك ان تفعل المستحيل لمنع هذا التلف في المرتبة الاولى. وفيما يتعلق بسرطان القولون هناك الكثير الذي يمكن فعله، مثل المحافظة على ما تدخله من سعرات حرارية بحدود المعقول مع ممارسة التمارين الرياضية بانتظام.

وكلا هذين الخيارين من شأنه تخفيض مخاطر سرطان القولون بنسبة كبيرة، فضلا عن درء البدانة، العامل الاخر المسبب للسرطان، وتجنب التدخين بجميع اشكاله، وتناول اطعمة تقي من سرطان القولون على شكل منتجات البان غنية بالكالسيوم، شرط ان تكون قليلة او عديمة الدسم، مع فيتامين «دي» وفواكه وخضراوات وحبوب كاملة غير مقشرة او معالجة. ويبدو ان السمك هو الافضل هنا.

وبالتأكيد فان هذا النمط من الغذاء يتفادى كميات كبيرة من اللحوم الحمراء والشحوم الحيوانية الاخرى. كما ان تناول جرعات منخفضة من الاسبرين من شأنه تخفيض المخاطر. ولكن مع الالتزام بكل هذا، يتوجب اجراء تنظير للقولون الذي ينبغي ان يتناسب ويتماشى مع عمرك وتاريخ عائلتك وعوامل الخطورة الاخرى للتأكد من عدم وجود السرطان.

والعديد من الاميركيين ترعرعوا وشبوا على وجبات من اللحم والبطاطا. وكلاهما لا يرقى الى اصناف الطعام الصحية، كما ان استطلاعا قام به المعهد الاميركي للابحاث السرطانية وجد ان 72 في المائة من البالغين يركزون في وجباتهم على اللحوم والمنتجات الحيوانية الاخرى.

ولا ينبغي عليك ان تمتنع كليا عن اللحم الاحمر لكي تحيا حياة صحية، لكن الدلائل تشير الى ان من الحكمة تحديد ما تستهلكه منه. وتعلم ان تفكر في ان تكون الخضراوات والحبوب هي الطبق الرئيسي، واللحوم هي الطبق الجانبي. ان تناول ما مقداره اربع اونصات من اللحوم مرتين في الاسبوع يعتبر امرا سليما.

وحتى هنا تعلم كيف تختار اللحوم الخالية من الدهون والشحوم وتجنب ايضا تحمير هذه اللحوم وتحميصها. وقلل من تناولك اللحوم المالحة المعالجة والمقددة بقدر الامكان.

واختر الاسماك والدجاج وطيور الحبش (من دون جلدها) مكان اللحم الاحمر لكي تكون مصدر البروتين الرئيسي، وحاول ان تكون الفاصولياء والبقوليات المصدر الرئيسي للبروتين والالياف والفيتامينات. وقد يبدو هذا الامر كوجبة جديدة كلية، لكن اذا قمت بهذا التغيير تدريجيا وشجعت عائلتك على ذلك لكي تنضم اليك، لوجدت ان الوجبات هذه تصبح طبيعية تتلذذ بها. وهنا تكون قد حافظت على قولونك، وعلى قلبك ايضا.

هل فكرت يوما ما الذي يجعل اللحم الأحمر.. أحمر؟
استنادا الى التقديرات فان نحو 79 الف اميركي قد جرى تشخيصهم بسرطان القولون في العام الماضي، لكن سرطان البروستاتا قد جرى تشخيصه في ثلاثة اضعاف هذا العدد من الرجال. وكانت بعض الدراسات قد افادت عن وجود صلة متوسطة الى قوية بين استهلاك اللحم الاحمر وخطورة الاصابة بسرطان البروستاتا. لكن دراسات اخرى لم تجد اي علاقة.

وكانت دراستان منها قد اشارتا الى تحديدات معينة. فقد افادت الدراسة الاولى ان الاستهلاك العالي للحم الاحمر لا سيما المطهو منه والمعالج، مقرون بمضاعفة خطورة الاصابة بسرطان البروستاتا لدى الاميركيين من اصل افريقي، ولكن ليس البيض منهم. اما الدراسة الثانية فقد وجدت ان اللحم المطهو كثيرا يزيد الخطورة الى 40 في المائة. اما اللحم المطهو على درجات حرارة منخفضة فلم يرفع احتمالات الخطورة. لذلك من اجل الحفاظ على صحة القولون والبروستاتا فقد يكون من الحكمة الاقلال من استهلاك اللحوم الحمراء، لا سيما المعالج منها او المحمر او المشوي.

واشارت دراسات اخرى الى الصلة بين اللحم الاحمر وسرطان المعدة والمثانة والثدي. ومقابل ذلك فقد اقترنت الوجبات المنخفضة اللحوم بزيادة طول الحياة. وهذا ما يكفي ان يجعلك تفكر مرتين قبل التهام بضعة بيرغرات، او «هوت دوغز» (السجق الساخن) مشوية في غذائك.

المصدر : masrawy

شارك
المقال السابقاستخدام الهواتف المحمولة… قد يشكل خطرا جديا
المقال التاليتقنية حديثة تخلص الناس من مشاعرهم السلبية

لا يوجد تعليقات

اترك تعليقك