اورام المخ و النخاع الشوكى

و ثمة العـديد من الأورام التي تنشأ بالجهاز العـصبي المركزي ( central nervous system CNS ) الذي يشمل الدمـاغ و الحبل الشوكي، و تنجم عن تسرطن أنواع متباينة من الخلايا و تتمركز بمواضع مختلفة، و ينفرد كل منها بخواص معينة و تأثيرات بدنية تشير إلى نوعه و موضعه على وجه الخصوص، كما أن لكل منها مؤشرات و دلائل مرضية يمكن التكهن من خلالها بالمردود العلاجي، كما تختلف بطبيعة الحال الخطط العلاجية من نوع لآخر.

      و تُعد أورام الجهاز العصبي المركزي و خصوصا بالدماغ بالمرتبة الثانية ضمن الأورام الصلبة الشائعة بين الأطفال،  ( حيث تأتي أنواع اللوكيميا بالمرتبة الأولى )، و تمثل نسبة تقترب من 20 % من مجمل حالات سرطان الطفولة، وتظهر في اغلب الأحوال بالفئة العمرية ما بين السنة الثالثة إلى الثانية عشر، بينما تظهر لدى الكبار غالبا بالفترات ما بين العقدين الثالث و الخامس من العمر، و من جهة أخرى تنشأ معظم أورام الدماغ لدى الأطفال بمنطقة المخيخ و جذع الدماغ، بينما تنشأ مثيلتها عند البالغين بمواضع أخرى غالبا بمنطقة المخ، و تُعد أورام الحبل الشوكي أقل شيوعا بدرجة كبيرة و أكثر ندرة من الأورام الدماغية، سواء عند الأطفال أو البالغين.
 
 
الجـهاز العـصبي المركزي

      يتركب الجهاز العصبي المركزي من الدماغ و الحبل ( النخاع ) الشوكي، و يتحكم الدماغ كما هو معروف بجميع الوظائف الحيوية الإرادية و غير الإرادية بالجسم، بما في ذلك الحواس المختلفة و الذاكرة و التفكير و الحركة، كما يتحكم بوظائف مختلف الأعضاء الأخرى بالجسم، و يتواجد الدماغ ضمن الجمجمة التي تقوم بحمايته، بينما تقوم عظام العمـود الفقـري ( vertebral column ) بحماية الحبل الشوكي، و يحيط السائل المُخّي الشوكي (cerebrospinal fluid ) بكل من الدماغ و الحبل الشوكي مما يؤمن لهما حماية اضافية، و يتواجد بفراغات حولهما و بتجاويف داخل الدماغ تُعرف بالبطينات المخية ( ventricles )، و هو سـائل دماغي صافي يشبه الماء و يحتوي على بروتينـات و جلوكوز و يوريا و بعض الأمـلاح، و يتم إنتاجه بالضـفائر المشيمية بالدمـاغ ( choroid plexus )، و من جهة أخرى يقوم الحبل الشوكي و شبكة عصبية خاصة تُعرف بالأعصاب

القحفية ( cranial nerves ) بنقل الرسائل العصبية ما بين الدماغ و باقي أعضاء الجسم.

و يمكن تقسيم الدماغ إلى أربعة أجزاء رئيسية تشمل :

     المـخ ( cerebrum ) و الدماغ البيني ( diencephalon )، و المخيخ ( cerebellum )، و جذع الدماغ ( brain stem )، و يختص كل منها بإدارة وظـائف محددة بالجسم، و بطبيعة الحال تتعطل هذه الوظـائف و تختل عند نشـوء ورم بالموضع المختص و تظهر أعراض محددة تشير إلى إصابة ذلك الموضع بعينه، من جهة أخرى تختلف الأعراض الظاهرة باختلاف نوع الورم، كما انه من المعتاد ظهور نفس الأعراض عند إصابة أجزاء الدمـاغ بأمراض و علل أخرى، مما قد لا يعني بالضرورة وجود نشـوء ورمي، و يجدر بالذكر أن الأعراض الظاهرة قد لا تعكس بالتحديد موضع الورم عند الأطفال بسن تقل عن الثالثة.
 
المـخ

    يُعد المخ اكبر أجزاء الدماغ و يقع في جزئه العلوي، و يتكون من نصفي كرة المخ ( cerebral hemispheres )، اللذين يتحدان بشريط عريض و يتكونان من القشرة، و هي ذات مادة رمادية تحتوي على الخلايا العصبية، و من طبقة أكثر عمقا تسمى المادة البيضاء، و تقسم الطيات الكبرى بالقشرة كلا من نصفي كرة المـخ إلى أربعة فصوص، الفـص القفـوي بمؤخرة الجمجمة، و الفص الأمامي على جبهتها، و الفص الصدغي على الصدغ، و الفص الجداري بالأعلى، و تتحكم نصفا كرة المخ في العديد من الوظائف الحيوية، مثل التفكير و الإدراك و العواطف و الكلام، و ترجمة الإحساسات المختلفة كالسمع و البصر و اللمس أو الشعور بالألم، إضافة إلى حركة العضلات الإرادية، و لكل من هذه الوظائف موقع محدد بالقشرة، فمثلا يقع مركز البصر بالفص القفوي و مركز السمع بالفص الصدغي.

      و يعتمد نوع الأعراض الناجمة عن وجود ورم بالمخ على موضعه ضمن نصفي كرة المخ، و تشمل الأعراض المعتادة حدوث نوبات صرعية، و صعوبات بالنطق، و تغيرات متطرفة بالمزاج، و تقلبات بالشخصية، و نشوء ضعف أو شلل بأحد جانبي الجسم، و تغيرات بالرؤية أو السمع أو الحس، إضافة إلى نشوء اختلاجات حركية مختلفة تشبه الرقص ( chorea )، و نشوء ظاهرة الكنع ( athetosis ) بوجود تحركات تمعجية مستمرة باليدين و القدمين.
 
الدماغ البيني ( diencephalon )
 
     تتضمن بنية الدماغ البيني منطقة المهاد ( thalamus ) و منطقة ما تحت المهاد أو الوِطاء ( hypothalamus )، حيث يرتبط المهاد بالإحساس و يتحكم في الحركة البدنية، و يعتبر كمحطة للإشارات الحسية التي تصل إلى قشرة المخ و يعمل كمركز لتفسير بعض منها، مثل الألم و الشعور بالحرارة و الضغط و اللمس، بينما يرتبط الوطاء بالوظائف غير الإرادية، مثل تنظيم حرارة الجسم و توازن السـوائل و الشعور بالعطـش أو الجـوع، كما يتحـكم بإفـراز هرمـونات الغـدة النخامية ( pituitary gland ).

المخيـخ

      يتحكم المخيخ في التناسق و التوازن الحركي و تناسق حركة العضلات الإرادية، و من المعتاد أن تسبب الأورام الناشئة بالمخيخ صعوبات في ضبط التوازن الحركي، و الترنح و فقد الدقة في توجيه حركة اليدين و القدمين، إضافة إلى تغيرات بنمط التحدث، و الصداع و التقيؤ.

جذع الدماغ ( brain stem )

       و يتكون من ثلاثة أقسام تشمل النخاع المستطيل أو البصلة ( Medulla oblongata ) و الجسر ( Pons ) و الدماغ المتوسط ( Midbrain  )، و يحتوي على حزم من الألياف العصبية، التي تقوم بنقل الإشارات المتحكمة في حركة العضلات و الحس أو الشعور، كما أن معظم الأعصاب القحفـية تبدأ من جذع الدمـاغ، و ثمة مراكز خاصة مختلفة بهذا الجزء الحساس تتحكم بالتنفس و نبض القلب و عمليات البلع و التقيؤ والسعال.   و تتسبب الأورام الناشئة بجذع الدماغ في ظهور العديد من الأعراض، مثل التصلب العضلي، و الشلل النصفي بالوجه أو بالجسم، و نشوء إعاقات بالحس أو بالسمع و صعوبات بالتنفس و البلع، و ظهور تغيرات بنشاط الغدد الصماء، كما يُعد ازدواجالرؤية و الترنح أثناء المشي احد الأعراض المبكرة جدا لأورام جذع الدماغ.
 
 
الحبل الشوكي ( Spinal cord )

     أو النخاع الشوكي و يتواجد داخل النفق الفقري الذي يتكون من الثغرات الفقرية بفقرات العمود الفقري، و يبدأ كامتداد للنخاع المستطيل بجذع الدماغ، و يحتوي بدوره على حزم من الألياف العصبية الطويلة التي تحمل الإشارات العصبية المختلفة المتحكمة في العديد من الوظائف، مثل حركة العضلات و الإحساس أو الشعور، أو حركة المثانة و الأمعاء، و ثمة العديد من الأعراض التي تظهر عند نشوء الأورام بالحبل الشوكي، مثل الشلل أو الخدر و الضعف، و من المعتاد أن تظهر الأعراض بجانبي الجسم، مثل الخدر بالقدمين معا، نظرا لتكوين الحبل الشوكي الدقيق و الممتد لمسافة طويلة، و لعل ذلك من أهم ما يميز أورام الحبل الشوكي عن أورام الدماغ، التي من المعتاد أن تؤثر على جانب واحد من الجسم، كما أن اغلب أورام الحبل الشوكي تنشأ بمواضع أسفل الرقبة و عقب تفرع الأعصاب المتصلة بالذراعين من الحبل الشوكي، و لذلك تظهر في اغلب الأحوال أعراض تتعلق بوظائف القدمين أو بالمثانة أو الأمعاء      و من جهة أخرى، قد تنشأ أورام مختلفة بالأعصاب القحفية أو الأعصاب الطرفية، مثل أورام العصب البصري و التي تُعد من أكثرها شيوعا بين الأطفال، و أورام العصب السمعي ( acoustic nerve ) و التي تؤدي إلى فقـدان السمع بإحدى الأذنين أو كلتيهما، و أورام العصب الوجـهي ( facial nerve ) و التي تؤدي إلى الشلل الوجهي، أو نشوء أورام العـصب التؤامي الثـلاثي ( trigeminal nerve )، و التي قد تؤدي إلى ظهور الآم حادة بالوجه، بينما تسبب الأورام الناشئة بالأعصاب الطرفية أعراضا تشمل الألم و فقد الحس و ضعف العضلات بالمواضع المرتبطة بهذه الأعصاب.
 
أنواع خلايا و أنسجة الدماغ و الحبل الشوكي
الخلايا العـصبية أو العَـصَبات ( Neurons )

      تُعد العَصَبات، و تسمى أيضا بالعصبونات، من أهم أنواع الخلايا بالدماغ و المكون الرئيسي للجهاز العصبي، و تحدد الإشارات الكهربية التي تحملها العَصَبات، و تقوم بإرسالها عبر الألياف العصبية، جميع نشاطات الدماغ و الحبل الشوكي، مثل التفكير و الذاكرة و العواطف و النطق و حركة العضلات، و من المعروف أن العَصَبات تتوقف عن الانقسام و بالتالي التكاثر خلال السنة الأولى عقب الولادة ( مع القليل من الاستثناءات )، و ذلك بخلاف العديد من أنواع الخلايا التي يمكنها أن تنمو و تتكاثر بشكل متواصل، و ذلك لتجديد الأنسجة و إصلاحها عند تضررها بالأمراض أو الجروح أو بغيرها.

الخلايا الدبقية ( Glial cells )

      و تُعد الخلايا الداعمة للدماغ و ثمة ثلاثة أنواع من الخلايا الدبقية المكونة للدبق العصبي ( Neuroglia ) :

            الخلايا النجمية ( astrocytes )، و الخـلايا قليلة التفـرع أو التغصن ( oligodendrocytes )، و خـلايا البطانة العصبية ( ependymal cells )، و هي تنمو و تنقسم ببطء شديد، و تستمر في التزايد العددي حتى بلوغ الطفل سن الخامسة فحسب، حيث يصل الدماغ عندها إلى حجمه الأقصى و يبقى كذلك مدى الحياة، و يجدر بالذكر أن معظم أورام الدماغ و الحبل الشوكي تنشأ عن تسرطن

الخلايا الدبقية.

و تساعد الخلايا النجمية في دعم و إمداد العَصَبات، حيث تربطها بالأوعية الدموية و تلتف حولها لتشكل شبكة داعمة، كما تساعد في تكوين الحاجز الدموي الدماغي، و تقوم بعمليات الرتق لأنسجة الدماغ عند حدوث الجروح أو الإصابات مما يساعد على التئامها، بينما تنتج الخلايا الدبقية قليلة التفرع مادة النخاعين ( myelin ) التي تحيط و تعزل الألياف العصبية بالدماغ و الحبل الشوكي، و بذلك تساعد العَصَبات في نقل الإشارات الكهربية عبرها، أما خلايا البطانة فتتواجد بالجزء الداخلي للبطينات المخية بمركز الدماغ و القناة المركزية للحبل الشوكي، حيث تقوم بتبطينها بطبقة واحدة، و من هنا تعتبر جزءا من مسرى السائل المخي الشوكي.

الخلايا الدبقية الصغيرة ( microglia )

      و تُعد الخلايا المناعية بالجهاز العصبي المركزي و ليست تماما خلايا دبقية في الأصل، و هي تقوم بابتلاع الجراثيم و الكائنات الغريبة، و يبلغ تعدادها حوالي 20 % من مجمل الخلايا الدبقية بالدماغ.
 
 
أغشية السحايا ( meninges )

     و هي أنسجة خاصة تبطن الفراغات المحيطة بالدماغ و الحبل الشوكي و المملوءة بالسائل المُخّي الشوكي، و ثمة نوعان من الأغشية السحائية :

   السحايا الرقيقـة ( leptomeninges ) أو العنكـبوتية الحنـون
( pia-arachnoid ) و هي أغشية رقيقة تضم السائل المُخّي الشوكي مباشرة، و السحايا الغليظة ( pachymeninges ) أو الأم الجافية ( dura ) و هي أكثر صلابة و تحيط بالسحايا الرقيقة.
 
خلايا شفان ( Schwann cells )

      و تقوم بإنتاج النخاعين ( myelin ) الذي يحيط و يعزل ألياف الأعصاب القحفية و غيرها من الأعصاب بالجسم، و دورها أساسي في تكوين الغمد النخاعيني لمحور الألياف العصبية.

الضفيرة المشيمية ( Choroid plexus  )

    و هي عبارة عن شبكات من الشعيرات الدموية و خلايا البطانة العصبية تتمركز ضمن البطينات المخية و تقوم بإفراز السائل المخُيّ الشوكي.
الغـدّة النخـامية ( Pituitary gland )

      و تقع عند مركز الدماغ تقريبا، و تُعد من أهم الغدد الصماء بالجسم و تسمى أيضا بالغدة السيدة ( Master gland ) حيث تقوم بتنظيم العديد من النشاطات الحيوية للغدد الأخرى بإفرازها للعديد من الهرمونات، مثل هرمون النمو الذي يحفز و يتحكم في النمو البدني، و هرمون البرولاكتين الذي يتحكم في إفراز اللبن بالثدي، و الهرمونات المنبهه لإفراز هرمونات الغدة الدرقية و الغدة الكظرية، أو المحفزة لإفراز الهرمونات الجنسية.

الـوِطاء  ( hypothalamus )

      يُعد الـوِطاء جزءا من الدماغ الأوسط و يتواجد قرب الغدة النخامية، و يعتبر من أهم أجزاء الجهاز العصبي، حيث يقوم بدور رئيسي في العديد من الوظائف العصبية و الحيوية، من أهمها التحكم في تنسيق الجهاز العـصبي الذاتي و النشاطات غير الإرادية، مثل تنظيم سرعة القلب و حركة الطعام بالقناة الهضمية و تقلصات المثانة البولية و تنظيم حرارة الجسم، كما يعمل كمنظم و مؤقت للعديد من النظم الحيوية الدورية، و يعتبر الوسيط بين الجهاز العصبي و منظومة الغدد الصماء بتحفيزه للغدة النخامية و توجيهه لعملها بإفرازه للهـرمونات المنظمة التي تحثها على إفراز هرموناتها أو تثبطها عن ذلك، كما ينتج الوِطـاء هرموني الاوكسـيتوسين ( Oxytocin ) الذي يعمل على انقباض العـضلات الملساء بالرحـم عند الولادة و انبجاس اللبن خارج الثـدي، و الهرمون الكابح للتبول ( Antidiuretic hormon ) الذي يقلل من كميات البول المتكون بالكِلى.

الغـدة الصنوبرية ( Pineal gland )

      و هي من الغدد الصماء و تتواجد بين نصفي كرة المخ، و تقوم بإفراز هرمون الميلاتونين ( melatonin ) الذي يتفاعل مع تغيرات الضوء و يعمل على تنظيم و توقيت العمليات الحيوية الدورية بالجسم.

الحـائل الدمـوي الدمـاغي ( Blood-brain barrier  )

      بخلاف أغلب الأعضاء الأخرى بالجسم، ثمة حاجز بين الدم و بين أنسجة الجهاز العصبي المركزي يتشكل من مكونات الضفائر المشيمية، و يسمح لمواد محددة بالدخول إلى السائل المُخّي، و بذلك يحمي الدماغ و الحبل الشوكي من الموادالمضرة، كما أنه يمنع العديد من الأدوية من النفاذ مباشرة إلى الدماغ و الحبل الشوكي بما في ذلك البعض من أدوية معالجة الأورامأنواع أورام الدمـاغ و الحبل الشـوكي    يمكن أن تنشا الأورام بأي نوع من الخلايا أو الأنسجة المكونة للدماغ أو الحبل الشوكي، كما قد ينجم بعض منها عن تسرطن خليط من الخلايا الدماغية، و ينبغي بطبيعة الحال التمييز بين الأورام الناشئة بالدماغ أساسا و بين الأورام الثانوية المنتقلة إليه من مواضع أخرى، و التي تتم معالجتها بخطط مختلفة، و تُعد مثل هذه الأورام الثانوية المنتقلة إلى الدماغ اقل شيوعا لدى الأطفال من أورام الدماغ الأصلية، و من جهة أخرى من النادر أن تنتقل أورام الدماغ الأصلية إلى مواضع أو أعضاء بعيدة عن موضع النشأة.

الأورام الدبقية ( Gliomas )

      أو الدبقومات، و تُعد الأكثر شيوعا ضمن أورام الجهاز العصبي لدى الأطفال، و هي تشمل العديد من الأورام الدماغية التي تنشأ عن تسرطن الخلايا الدبقية بانواعها المختلفة، و يتم تصنيفها حسب موضعها و نوع الخلايا المتسرطنة، و تشمل بصفة

عامة أنواع الأورام التالية :

أورام الخلايا النجمية ( astrocytomas )

astro.jpg

      أو الأورام النجمية و تنشأ عن تسرطن الخلايا النجمية و تشكل حوالي 50 % من مجمل أورام الدماغ لدى الأطفال، و يمكن تقسيمها إلى نوعين، يُعرف النوع الأول بالأورام المرتشحة أو المنبثة ( infiltrating astrocytomas )، و تتصف باتساع رقعة انتشار الورم عبر أنسجة الدماغ السليمة عند التشخيص، الأمر الذي يصعب من معالجتها، و يمكن أن تنتقل مثل هذه الأورام لدى بعض الحالات على امتداد مسرى السائل المُخّي الشوكي، غير أنهافي اغلب الأحوال لا تنتقل إلى ابعد من ذلك خارج الدماغ أو الحبل الشوكي فيما عدا حالات نادرة.و من المعتاد تصنيف الأورام النجمية المرتشحة حسب مظهرها المجهري إلى ثلاثة درجات، أورام بالدرجة الدنيا ( low grade )، و بالدرجة المعتدلة ( intermediate grade ) و بالدرجة العليا (high grade )، حيث تنمو أورام الدرجة الدنـيا بوتيرة بطيئة بينما تنمو أورام الدرجة المعتدلة بوتيرة وسطية، و تُعـد الأورام بالدرجة العـليا الأسرع نموا، و من أهمـها أورام الأوليّـات الدبقيـة( glioblastomas ).   و النوع الآخر و يُعرف بالأورام النجمية غير المرتشحة ( noninfiltrating astrocytomas )، و يُعد ذو مؤشرات مرضية واعدة، و يشمل الأورام النجمية الشعرية اليافعة (juvenile pilocytic astrocytomas ) و التي تنشأ غالبا بالمخيخ و يمكن أن تنشأ بالعصب البصري و بالوطاء أو بمواضع أخرى بالدماغ، و الأورام النجمية ضخمة الخلايا لما تحت البطانة (subependymal giant cell astrocytomas ) التي تنشأ بالبطـينات المخّية، و ترتبط في اغلب الأحـوال بوجود حالة التصـلب الـدرني الموروث
( tuberous sclerosis ) لدى المريض و التي من المعتاد أن تسبب الصرع و التخلف العقلي.  و بالمقابل ثمة أنواع أخرى ذات المؤشرات المرضية الواعدة أيضا، و التي على الرغم من تماثل مظهرها المجهري مع الخلايا السرطانية غير أنها أورام حميدة نسبيا، و قد تنشأ عن تسرطن خلوي ذو اصل مختلط ما بين الخلايا الدبقية و الخلايا العصبية، و تظهر بشكل شائع لدى الأطفال و اليافعين و نادرة الظهور لدى الكبار، و من هذه الأنواع : الأورام النجمية المصفرة متعددة التشكل ( Pleomorphic xanthoastrocytoma PXA ) و أورام الظهارة العصبية ذات التشوه الجنيني ( Dysembryoplastic neuroepithelial tumor DNET )، و التي من المعتاد معالجتها بالعمل الجراحي فحسب في اغلب الأحوال
أورام الخلايا الدبقية قليلة التغـصن ( oligodendroglioma )   و تنشأ عن تسرطن الخلايا الدبقية قليلة التغصن ( oligodendrocytes )، و يمكنها أن ترتشح أو تنتقل بنمط يتماثل مع الأورام النجمية و يتعذر استئصالها جراحيا بالكامل في اغلب الأحوال، رغم أن الإحصاءات الطبية تفيد عن وجود حالات حققت سنوات شفاء طويلة الأمد تصل إلى 40 سنة دون عودة الورم عقب المعالجات، كما قد تنتقل هذه الأورام على امتداد مسرى السائل المُخّي الشوكي، غير أنها بالمقابل نادرا ما تنتقل إلى مواضع خارج منطقة الدماغ أو الحبل الشوكي.

أورام البطـانة العـصبية ( Ependymoma )

      و تنشأ عن تسرطن خلايا البطانة العصبية ( ependymal cells ) بالبطينات المخية، و تكمن اكبر مخاطرها في نشوء الاستسقاء الدماغي ( hydrocephalus ) حيث تقوم هذه الأورام بسد مخارج السائل المُخّي الشوكي من البطينات مما يتسبب في تضخمها بشكل كبير، و على خلاف الأورام النجمية و الأورام الدبقية قليلة التغصن من النادر أن ترتشح أو تنتقل أورام البطانة عبر أنسجة الدماغ المجاورة، الأمر الذي يسمح بالاستئصال الجراحي و تحقيق الشفاء في أغلب الأحوال، و خصوصا عند تموضع الورم بمنطقة الحبل الشوكي، و بطبيعة الحال يمكن أن تنتقل هذه الأورام على امتداد مسرى السائل المُخّي الشوكي، غير أنها لا تنتقل إلى مواضع خارج منطقة الدماغ أو الحبل الشوكي. و تمثل أورام البطانة العصبية حوالي 10 % من مجمل أورام الدماغ لدى الأطفـال و تظهر غالبا بالفئة العمرية ما دون العاشرة، و تُعد بطيئة النمو مقارنة بالأورام الدماغية الأخرى، و تشير الدراسات الطبية إلى ارتفاع نسبة الخطر من عودة هذه الأورام عقب انتهاء المعالجات الأولية، و من الملاحظ أن الورم العائد يكون أكثر عدوانية و مقاومة للعلاجات.

الأورام الدبقية بجـذع الدمـاغ ( Brain stem gliomas )      و هي أورام تتأصل بجذع الدماغ، و ينحصر ظهورها بشكل كلي تقريبا لدى الأطفال دون البالغين خصوصا بالفئة العمرية بين الخامسة و السابعة، و من المعتاد أن تنشأ أعراض مختلفة تشمل تشوش و ازدواج الرؤية أو مصاعب حركية بالوجه أوبأحد جانبي الجسم أو بالمشي و التوازن أو التناسق الحركي، بينما من غير المعتاد أن يزداد الضغط داخل الجمجمة، و من المتعذر إزالة معظمها جراحيا نظرا لموقعها الحساس و غير المتاح للعمل الجراحي إضافة إلى حساسية الوظائف المتعددة و المعقدة التييتحكم بها هذا الجزء من الدماغ.

الأورام الدبقية بالعـصب البصري ( Optic nerve gliomas  )    و تسمى أيضا بأورام المسرى البصري، و تتموضع هذه الأورام بالعـصب البصري على امتداده أو بمواضع من حوله، و ترتبط غالبا بوجود النوع الأول من علة الأورام الليفية العصبية ( Neurofibromatosis – type 1 ) لدى المريض، و التي تُعرف أيضا بعلة ريكلينقهاوزن ( Recklinghausen’s disease  )، ( و هي علة وراثية من خواصهانشوء أورام ليفية بالأعصاب الطرفية، و ظهور بقع بنية على البشرة و تشوهات بالأنسجة تحت الجلد و بالعظام، و من المعتاد أن تتسبب هذه العلة في نشوء أورام عصبية متعددة )، و تظهر لدى حالات أورام المسرى البصري أعراض تشمل فقدان الرؤية و اختلالالإفراز الهرموني، و رغم أنها لا تُعد مميتة في اغلب الأحوال غير أنها قد تؤدي إلى فقدان البصر كليا، و من جهة أخرى تتم معالجتها بنجاح بالعمل الجراحي منفردا لدى العديد من الحالات، و قد يتم الاستعانة بمعالجات الأورام الأخرى في بعض الأحيان من علاجكيماوي و إشعاعي.
 
أورام العَصَبات ( Tumors of neurons )

      من أهم ما يميز الأورام لدى الأطفال عنها لدى البالغين، أنها تنشأ عن تسرطن خلايا المنشأ الأولية ( primitive stem cells ) التي تتطور و تتمايز إلى خلايا بالغة متخصصة، و بنفس النسق تنشأ أورامالخلايا العصبية أو العَصَبات، و التي يمكن تصنيفها بشكل عام ضمن أورام الأدمة الظاهرة العصبية الأولية ( Primitive neuroectodermal tumors PNET )، و التي تُعد أورام الأولياتالنخاعية ( Medulloblastomas  ) من أهم أنواعها، حيث تمثل نسبة تقترب من 15 % من أورام الدماغ لدى الأطفال، و من المعتقد أنها تنشأ عن تسرطن خلايا المنشأ الأولية بالمخيخ و التي لها قابلية التطور لتتحول إماإلى عصبات أو إلى خلايا دبقية، و تُعد هذه الأورام الأكثر سرعة في النمو غير أنها بالمقابل ذات معدلات عالية في الاستجابة للمعالجات القياسية إذ يمكن شفاء أكثر من 50 % من الحالات بالعمل الجراحي و أحيانا باستخدام المعالجات الإشعاعية أو بإضافة القليل من العلاج الكيماوي.  و من جهة أخرى تسمى أورام الأدمة الظاهرة العصبية الأولية بأورام أوليات الصنوبرية ( pineoblastomas ) حين تتموضع بالغدة الصنوبرية ( و هي الغدة التي تتحكم بدورات النوم و الاستيقاظ الطبيعية )، بينما تسمى بأورام الأوليّـات العصبية فحسب (neuroblastomas ) حين تنشأ بنصفي كرة المخ، و هذه الأورام سريعة النمـو شأن أورام الأدمة العـصبية الأخرى و يمكن أن تنتقل على امتداد مسرى السائل المُخّي الشوكي.

الأورام الدبقية العقـدية ( Gangliogliomas  )

      تسمى الأورام التي تتكون من خليط يجمع بين العَصَبات البالغة و خلايا دبقية بالأورام الدبقية العقدية، و تُعد الأعلى في معدلات الشفاء القياسية باستخدام العمل الجراحي منفردا أو مع القليل من المعالجات الإشعاعية.

أورام الضفيرة المشيمية ( Choroid plexus tumors )

      و هي أورام تنشأ بالضفائر المشيمية ضمن البطينات المخية، و هي عادة أورام حميدة و تسمى بالأورام الحليمية بالضفيرة المشيمية ( choroid plexus papillomas  ) و تشفى بالعمل الجراحي منفردا، غير أن بعض أنواعها بالمقابل متسرطنة و تسمى في هذه الحال بالسرطان النسيجي للضفائر المشيمية ( choroid plexus carcinomas ).
 
 
الأورام القحفية البلعمية ( craniopharyngiomas )

      و هي أورام حميدة تنشأ بأعلى موضع الغدة النخامية و تحت قاعدة الدماغ، و تكون عادة قريبة جدا من العصب البصري مما يصعب من إجراء الجراحات الاستئصالية، و قد تضغط هذه الأورام على الغدة النخامية و الوطاء مما يؤدي بدوره إلى اختلال الإفراز الهرموني، و على الرغم من أنها أورام حميدة غير انه من الصعب إزالتها جراحيا نظرا لموضعها ضمن الأنسجة الحساسة للدماغ، و قد يتم استخدام المعالجات الإشعاعية لدى بعض الحالات. أورام خلايا شفان ( Schwannomas ) أو أورام الأغماد العصبية ( neurilemoma )

     و تنشأ هذه الأورام النادرة لدى الأطفـال بخلايا شفـان التي تحيط و تعزل الأعصاب القحفية و غيرها من الأعصاب، و هي أورام حميدة في اغلب الأحوال و تتموضع عادة قرب المخيخ و بالأعصاب القحفية المسؤولة عن التوازن و السمع، و قد يُشير ظهورها بشكل متعدد لدى حالة ما إلى وجود دلائل وراثية عائلية، مثل متلازمة الأورام الليفية العصبية (neurofibromatosi) سالفة الذك.

الأورام السحائية ( Meningiomas )

     و تنشأ هذه الأورام بأغشية السحايا و تنجم عنها أعراض مختلفة عند ضغطها على الدماغ أو الحبل الشوكي، و رغم أنها أورام حميدة في اغلب الأحوال و نادرة لدى الأطفال غير أنها قد تتمركز بدرجة خطرة قريبا من أنسجة حيوية ضمن الدماغ أو

الحبل الشوكي مما يمنع من معالجتها جراحيا، و من جهة أخرى ثمة أنواع من الأورام السحائية الخبيثة النادرة، و منها الورم الغرني السحائي ( Meningiosarcoma ) و الذي قد يعود مرارا عقب الاستئصال الجراحي و قد ينتقللدى حالات نادرة إلى أجزاء أخرى بالجسم.

الأورام الحبلية الظهارية ( Chordoma )

      و تنشأ هذه الأورام بالعظام بمؤخرة الجمجمة أو بالنهاية الطرفية السفلى للحبل الشوكي، و من غير المعتاد أن تنتقل إلى مواضع أخرى، و تشير الدراسات إلى أنها قد تعود مرارا عقب المعالجات القياسية خلال فترات تتراوح بين 10 إلى 20 سنة.

أورام الخلايا التناسلية ( Germ cell tumors )

      خلال مراحل التطور الجنيني الطبيعية تنتقل الخلايا التناسلية بمسار محدد لتستقر بالمبايض أو الخصيتين لتتطور إلى بويضات أو خلايا منوية، غير أنه في بعض الأحيان ينتهي بها الأمر لتستقر في مواضع غير طبيعية مثل الدماغ، و قد ينشأ عنها أورام مشابهة للأورام الناشئة عن تسرطن الخلايا التناسلية بالخصيتين أو المبايض، و من المعتاد أن تنشأ مثل هذه الأورام بالجهاز العصبي المركزي لدى الأطفال بالغدة الصنوبرية أو بأعلى الغدة النخامية، و يُعرف أكثر أنواعها شيوعا بالـورم الجُرثمي (germinoma ) و الذي يمكن شفاؤه بالمعالجات الإشعاعية و أحيانا بالعلاج الكيماوي عند كل الحالات تقريبا، و يجدر بالذكر أنه من الممكن تشخيص هذه الأورام أحيانا بمجرد قياس معدلات بعض المركبات الكيميائية بالسائل المُخّي الشوكي أو بالدم دون الحاجة لفحوصات أخرى.
 
عوامل الخطورة لنشوء أورام الجهاز العصبي المركزي
      يشير تعبير عوامل الخطورة ( Risk factors ) إلى العوامل و الظروف المؤهبة التي تزيد من احتمال العُرضة لأي مرض، مثل السرطان، عند أي شخص، و ثمة عوامل خطورة لكل نوع من الأورام، و قد تتضمن عوامل خطورة وراثية أي ترتبط بخصائص المورثات، إضافة إلى عوامل ترتبط بالبيئة أو نمط المعيشة و الظروف الحياتية، و رغم أن العوامل المتعلقة بنمط المعيشة مثل التدخين و التغذية السيئة أو تعاطي المسكرات تُعد من العوامل المهمة لدى العديد من أورام البالغين، إلا أن تأثيرها معدوم أو ضعيف عند التطرق لأورام الأطفال، و فيما يتعلق بعوامل الخطورة المتعلقة بالبيئة، لم يتبين للباحثين أي رابط بين نشوء أورام الدماغ و بين العوامل البيئية سواء قبل الولادة أو بعدها، مثل التعرض للكيماويات السامة أو تلوث المياه و الهواء، كما لم يتبين وجود أي رابط بظروف أخرى مثل استخدام الأشعة السينية أثناء الحمل أو خلال فترة الطفولة، أو تناول أنواع العقاقير المختلفة، و لا ترتبط معظم أورام الدماغ بعوامل خطورة مؤكدة و معروفة و تنشأ دون أسباب واضحة يمكن أن تعزي إليها.

     و قد أفادت بعض الدراسات عن وجود نسبة خطورة لنشوء مثل هذه الأورام عند التعرض لبعض المؤثرات البيئية أو الكيميائيات، مثل التعرض لغاز الفينيل كلورايد ( vinyl chloride و هو غاز عديم الرائحة يستخدم في صناعات اللدائن )، أو استخدام مادة الاسبرتام ( aspartame ) و هي بديل صناعي للسكر، أو التعرض للحقول الكهرومغناطيسية المنبعثة من أجهزة الهاتف النقال أو الأسلاك عالية التوتر الكهربي، إضافة إلى الرضوض و الإصابات بالرأس، غير أن اغلب الباحثين في هذا المجال يتفقون على عدم وجود دليل مؤكد و حصري يشير بوضوح إلى تأثير هذه العوامل، و في الواقع ثمة دراسات معاكسة تفيد بأن مثل هذه العوامل لا تُعد من مسببات الأورام الدماغية.

عوامل الخطورة المتعـلقة بعـلاجات الأورام

        تفيد العديد من الدراسات الطبية عن وجود علاقة مباشرة، و بنسبة خطورة صغيرة، بين معالجة مرضى السرطان سواء البالغين أو الأطفال بالعلاج الإشعاعي، و بين ظهور أورام ثانوية غير الورم الأصلي المُعالج خلال فترات لاحقة من الحياة، و منها نشوء أورام الدماغ ( خصوصا الأورام النجمية و أورام السحايا ) حين يكون الرأس ضمن حقل المعالجة الإشعاعية، و التي تزداد نسبة الخطورة لتطورها عند تلقي المعالجات في فترات مبكرة من العمر إضافة إلى تلقي جرعات عالية، و تُعد مثل هذه الأورام الثانوية أكثر شيوعا لدى البالغين حيث من المعتاد أن تظهر عقب عدة سنوات من انتهاء المعالجات الإشعاعية. و بهذا الصدد نشير إلى أن الإشعاع المؤين المستخدم في المعالجات الإشعاعية و أيضا بالأجهزة التصويرية للأشعة السينية يُعد من أكثر عوامل الخطورة المؤكدة لنشوء أورام الدماغ، و قد أكدت الدراسات الطبية أن المعالجات الإشعاعية بجرعات مخفضة و المستخدمة قبل أكثر من خمسين عاما لمعالجة الأطفال المصابين بداء سعفة فروة الرأس ( ringworm of the scalp ) و التي تنتج عن عدوى فطرية، قد أدت إلى ارتفاع نسبة نشوء أورام دماغية بين أولئك الأطفال خلال فترات لاحقة من حياتهم.
 
 
عوامل الخطورة الوراثية و عـلل المورثات

      تبين للعلماء منذ عقود أن الإنسان قد يرث عن أبويه بعض التبدلات و الاختلالات بشفرات الضفائر الوراثية بالحمض النووي للخلايا، و التي بدورها تسبب أمراضا تنتشر في عائلات بعينها، و ثمة نسبة خطورة عالية للعديد من الأمراض عند ولادة الأطفال مع وجود بعض أنواع العيوب الخلقية و التي تُعرف بالمتلازمات ( syndromes  و يمكن تعريف المتلازمة بأنها مجموعة متزامنة من الأعراض و التشوهات أو الإعاقات أو الظواهر الشاذة الأخرى، و التي تظهر في اغلب الأحوال مجتمعة بنفس المريض )، و من المتلازمات و العلل الوراثية التي تم الربط بينها و بين زيادة نسبة الخطورة لنشوء أورام الجهاز العصبي المركزي : متلازمة لي فراومني (  Li-Fraumeni ) و التي إضافة إلى أنها تزيد من نسبة الخطر لنشوء أورام ابيضاض الدم و أورام العظام الغرنية و سرطان الثدي و أورام الأنسجة الرخوة ، تحمل نسبة خطورة أيضا لنشوء أورام الدماغ و الحبل الشوكي و خصوصا الأورام الدبقية.

النوع الأول من علة الأورام الليفية العصبية (  Neurofibromatosis – type 1 )، و المعروفة بعلة ريكلينقهاوزن ( Recklinghausen’s disease  ) المشار إليها آنفا، و تُعد من أهم العلل التي تحمل خطر نشوء أورام الجهاز العصبي، و هي كما سبق القول علة وراثية من خواصها نشوء أورام ليفية بالأعصاب الطرفية، و من المعتاد أن تتسبب  في نشوء أورام عصبية متعددة، و تزيد من نسبة الخطورة لنشوء أورام الدماغ و خصوصا الأورام الدبقية و أورام العصب البصري، و قد تم مؤخرا تحديد نوع العطب بالمورث المسئول عن نشوء هذه العلة.

النوع الثاني من علة الأورام الليفية العصبية (  Neurofibromatosis – type 2  )، و إن كانت تحمل نسبة خطر أقل من النوع الأول، و قد ربطت بعض الأبحاث الطبية بينها و بين نشوء أورام السحايا و أورام

العصب السمعي ( acoustic nerve ) و أورام البطانة العصبية بالحبل الشوكي.

علة التصلب الدرني الموروث ( tuberous sclerosis )، و من المعتاد أن تظهر بين المصابين بهذه العلة أورام غير مرتشحة من النوع النجمي ضخم الخلايا لما تحت البطانة ( subependymal giant cell astrocytomas )، إضافة إلى بعض الأورام الحميدة بالجلد أو بالكليتين. علة فون هيبل لينداو ( Von Hippel-Lindau disease )، و هي علة وراثية نادرة من خواصها نشوء أورام وعائية بعروق الشبكية و المخيخ و نشوء تكيسات أو تشوهات خلقية بالكبد و الكليتين و البنكرياس تؤدي إلى نمو نوابت ورمية، و تربط الأبحاث الطبية بين وجود هذه العلة و ارتفاع نسبة الخطورة لنشوء أورام أوليات الأوعية الدموية ( hemangioblastomas ) بالمخيخ و الشبكية، إضافة إلى سرطان الخلايا الكلوية النسيجي ( renal cell carcinomas ).

 
 
حول نشوء أورام الجهاز العصبي المركزي

        يلزمنا لفهـم كيفية نشـوء الخلايا السرطانية، الإلمام ببعض المعلومات الأولية و الأساسية عن المـورثات ( genes )
و الخصائص الوراثية، فالمورث عبارة عن جزء من الحمض الريبونووي ( deoxyribonucleic acid DNA ) يحمل خصائص وراثية معينة و لديه وظيفة حيوية محددة، و كمثال تحدد المورثات لون العينين و البشرة، أو فئة الدم، و هذا الحمض هو المادة الكيميائية التي تحمل التعليمات الموجهة لنظام و دورة حياة الخلايا، و يقوم بالتحكم في كل نشاطـاتها، و يُعد نوع التغيرات الشاذة في الحمض النووي للمورثات العامل المؤثر في تحديد نوع المرض الذي قد يصيب الإنسان، و المـورثات هي أجزاء من الصبغيات ( chromosomes )، و التي من الممكن تشبيهها بشريط خيطي يشبه الضفيرة من الحمض النووي فائق الطول، يحتوي على الآلاف من المورثات تصطف على امتداده، و ينتظم الحمض النووي بدقة في 23 زوجا من الصبغيات، يرث الإنسان النصف من كل زوج عن أحد الوالدين.

      و ثمة أنواع متعددة و كثيرة جدا من المورثات، و لكل منها وظائف حيوية و خصائص وراثية محددة، و يحتوي بعضُ من أنواعها على التعليمات و الشفرات الوراثية التي تتحكم في آلية النمـو و الانقسام، و بالتالي التضاعف و التكاثر لإنتاج خـلايا جديدة، و من هذه مورثات معينة تحث و تُعدل عمليات انقسام الخلية، و تسمى اصطلاحًا بالمـورثات الورمـية ( oncogenes )،
و مورثات أخرى تُبطيء و تكبح الانقسام و التكاثر، أو تُعطي التعليمات للإفناء الذاتي للخلية عند الحاجة، و تسمى بالمـورثات الكـابحة للتـورم ( Tumor suppressor genes ).

و بمعنى آخر، تقوم الخلايا بالتكاثر و الانقسام و النمو بتوجيه من برنامج مشفّر بحمضها النووي، و تتلقى إشارة بالتوقف عند حدّ معين حيث يتوفر الكمّ المطلوب من الخلايا، فيتوقف الانقسام و التكاثر، و يتم تشغيل برامج تالية توجه الخلايا لإنتاج البروتينات اللازمة لتصبح خلايا بالغة و متخصصة قادرة على القيام بالمهام المنوطة بها، أي أن نظام الانقسام و النمو و العمل، يتوقف و يبـدأ و ينشط حسب نظام متسلسل تعاقبي، و خالٍ من الأخطاء لينتج خلايا طبيعية سليمة، و ثمة عدة أوجه لعرقلة و مقاطعة تقدم هذا النظام المنهجي، فمثلا إذا حدث قصور في إشارة التوقف و لم تعمل لسبب ما، تستمر الخلايا في الانقسام و التكاثر دون ضوابط و تكون كتلة شاذة متضخمة، أو عند حدوث قصور في عمل المورثات الكابحة للتورم، التي تنتج بروتينا معينا يكون مسئولا عن توقيف الخلية عند وجود عطب بالحمض النووي، سواء لإصلاح الخلل أو لإفنائها ذاتيا عند تعذر الإصلاح، فحين لا يعمل هذا البروتين لسبب ما، تستمر الخلايا ذات الحمض النووي المعطوب في الانقسام، و إنتاج خلايا جديدة، مسببة المزيد من العطب في المورثات الأخرى، التي تتحكم في نمو و تطور الخلايا و ينتهي الأمر بنشوء السرطان.
  

    و من جهة أخرى قد يرث المرء بعضا من التغيرات الشاذة ( أو الأعطاب ) بالحمض النووي عن والديه، الأمر الذي يفسر ظهور بعض العلل بشكل شائع لدى بعض العائلات، و تسمى هذه التغيرات بالتحورات أو التبدلات الجذرية للبُنية (mutations )، و التي تنشا أيضا لأسباب غير مفهومة و غير مبررة أسوة بصور الإختلال الأخرى التي تصيب هذا الحمض، و التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية :

شرود للصبغيات و تبادل المواقع ( Translocation ) بين جزأين من الحمض النووي، أي أن مقطعا من الحمض النووي بصبغي معين يشرد ملتحقا بصبغي مختلف و غير متماثل معه، مما يؤدي إلى إعادة ترتيب البرامج المشفرة بالحمض النووي للخلية مع ثبات الخطأ و تعطل النظام و السياق الموجه لأطوارها المختلفة، و هذا الاختلال على وجه الخصوص يُعد مسؤولا عن نشوء بعض الأنواع من أورام الأطفال، خصوصا بعض أنواع اللوكيميا.

الانعكاس أو الانقلاب ( inversion ) مما يعني أن جزءا من صبغي ما تراكب بشكل مقلوب و ظل منعكسا إلا انه لا يزال مرتبطا بنفس الصبغي.

الإضافة ( addition ) أي أن جزءا من صبغي ما ( أو الصبغي بكامله ) قد تضاعف و تتواجد منه نسخ كثيرة بالخلية.

الفقدان أو المحو ( deletion ) لبعض من مقاطع حمض نووي بصبغي معين.

    و من هنا يمكن أن تتسرطن الخلايا الطبيعية عند حدوث أي من أنواع الاختلال المذكورة ببنية الحمض النووي، ( أي التحورات الشاذة بالبنية أو شرود الصبغيات أو المحو أو الانعكاس أو الإضافة ) و التي تدفع بدورها ( بشكل مباشر أو غير مباشر ) إلى تشغيل المورث الورمي دون ضوابط ( مما يفقده القدرة على التحكم في نمو الخلية و تكاثرها )، أو يُبطل عمل المورثات الكابحة للتورم، و ينتهي الأمر بنشوء ورم سرطاني، و من المهم معرفة أنه و عدا عن الإختلالات الوراثية التي تزيد من نسبة الخطر لنشوء بعض الأورام، و الأمر ليس حتميا البتة، لا يعرف العلماء الأسباب الحقيقية و المؤكدة التي تؤدي إلى حدوث أنواع الاختلال بالحمض النووي، ( أو التي تقدح الزناد ) و التي تؤدي إلى تسرطن الخلايا الطبيعية و نشوء الأورام.

      و فيما يتعلق بأورام الجهاز العصبي، فقد وجد الباحثون أن أعطاب المورثات التي تظهر بالعلل و المتلازمات الوراثية، مثل المذكورة آنفا ترتبط بزيادة نسبة الخطر لنشوء بعض أورام الجهاز العصبي المركزي، و على سبيل المثال، تنشأ متلازمة لي فراومني (Li-Fraumeni  ) عن وراثة اختلال بالحمض النووي يؤدي إلى إحباط المورث الكابح للتورم المسمى بي 53 ( p53 tumor suppressor gene )، بحيث لا تعمل بروتينات

هذا المورث المسئولة عن توقيف الخلايا لإصلاح أعطاب الحمض النووي و منع الخلايا المعطوبة من النمو، الأمر الذي يزيد من نسب الخطورة لنشوء العديد من الأورام، و منها أورام الدماغ و خصوصا الأورام النجمية.

      و قد أفادت العديد من الدراسات عن وجود تبدلات متعددة بالمورثات مرتبطة بنشوء أورام الدماغ و الحبل الشوكي، نذكر منها وجود نسـخ كثيرة سواء من الصبغي السـابع أو الثاني و العشرون لدى العديد من أورام الدمـاغ، و كذلك وجود فقـدان ومحـو ( deletion ) لمقاطع من الحمض النووي بالصبغيات التاسع و العاشر و السابع عشر، حيث لوحظ الفقد بالصبغي السابع عشر بالأورام النجمية من الدرجة الدنيا، بينما يظهر الفقد بالصبغي التاسع في مراحـل متوسطة من الأورام النجمية من الدرجة العليا، و يظهر الفقد بمقطع من الصبغي العاشر في مراحل متقدمة من أورام الأوليات الدبقية متعددة التشكل، و من ناحية أخرى ثمة فقدان متعدد لمقاطع من الصبغي الثاني و العشرين بأورام السحايا، و يفيد الباحثون بأن المقاطع المفقودة من هذه الصبغيات تحتوي على العديد من المورثات الكابحة للتورم و التي تمنع من النمو الورمي، و من المؤمل بمعرفة مثل هذه المعطيات الوصول إلى معالجات ناجعة لأورام الجهاز العصبي.

  و من جهة أخرى تلزم الإشارة إلى أن التغيرات الشاذة ببنية الحمض النووي و المرتبطة بنشوء أورام الجهاز العصبي عند أغلب الحالات هي أعطاب مكتسبة و عارضة عقب الولادة و خلال المراحل المبكرة من حياة الأطفال و ليس قبل ذلك بالوراثة، و من المهم تذكر أنه لا توجد أية عوامل خطورة معروفة و مؤكدة عند معظم المرضى بهذه الأورام، و لا أحد يعرف أسباب نشوء هذه الإختلالات المؤدية إلى تطور النمو الورمي لديهم دون وجود دلائل و علل وراثية، و لم يكن ثمة ما يمكن فعله لتجنب نشوء السرطان.
حول أعـراض أورام الدمـاغ و الحبل الشوكي

      ليس ثمة تحاليل معينة في الوقت الحاضر أو فحوصات مخبرية للكشف بشكل مبكر عن أورام الدماغ، و الواقع أن فرص الشفاء تعتمد على نوع الورم و موضعه ضمن الجهاز العصبي المركزي و ليس على التشخيص المبكر، و بالنسبة لأغلب أورام الدماغ و الحبل الشوكي ثمة دلائل قليلة جدا عن أن التشخيص المبكر و بالتالي المعالجات المبكرة تزيد من فرص الشفاء، و بطبيعة الحال يتم الاشتباه بوجود مثل هذه الأورام حين تظهر لدى المريض جملة من الأعراض التي قد تشير إليها، و في اغلب الأحوال تظهر هذه الأعراض بتدرج بطيء يزداد سوءا بمرور الوقت، غير أنه بالمقابل قد يظهر بعضها بشكل مفاجيء و حاد، و تُعد النوبات الصرعية من أول الأعراض المعتادة لأورام الدماغ لدى العديد من الحالات، و رغم أن القليل من مثل هذه النوبات ينجم عن الأورام الدماغية لدى الأطفال، إلا انه يلزم في مطلق الأحوال استشارة طبيب أخصائي بالأعصاب لتحديد مسببات هذه النوبات، و مدى الحاجة لإجراء المزيد من الفحوصات حال ظهورها عند أي طفل.

      و من جهة أخرى يعتمد التشخيص المبكر لأورام الدماغ و الحبل الشوكي في اغلب الأحوال على موضع نشوء الورم ضمن أنسجة الجهاز العصبي، حيث تظهر الأعـراض بشكل واضح و في مراحل مبكرة عند نشوء الأورام بالمواضع الحساسة و المهمة، و يتأخر ظهورها عند نشوء الأورام بمواضع اقل أهمية، و بطبيعة الحال يؤثر نشوء الورم و نموه على الوظائف الحيوية المرتبطة بموضع نشأته، و بالتالي تشير الأعراض الأولية إلى موضعه، فمثلا تسبب أورام الحبل الشوكي عادة خدرا و ضعفا بالقدمين معا، بينما تتسبب الأورام الناشئة بنصفي كرة المـخ في حدوث اختلالات حركية بالجسم، و قد سبقت الإشارة إلى مجمل هذه الأعـراض، و بهذا الصدد يُعد ارتفاع الضغط داخل الجمجمة العارض الأكثر شيوعا لأورام الدماغ، و الذي قد يسبب بدوره أعراضا تالية، مثل الصداع الشديد و المستمر، و الغثيان و التقيؤ، و اختلال الرؤية، و يُعد الصداع من أكثر هذه الأعراض شيوعا و يظهر لدى أكثر من نصف حالات الأطفال، و بينما يؤدي ارتفاع الضغط عند بعض الأطفال إلى ازدواج الرؤية و الحول بالعيون، قد يؤدي إلى فقدالرؤية كليا لدى البعض الآخر، و يجدر بالذكر أنه من المعتاد أن يتم التحقق من ارتفاع الضغط داخل الجمجمة بفحص قاع العين، لتحري وجود تضخم بالعصب البصري، أو ما يُعرف بوذمة الحُليمة البصرية ( papilledema )، و كماسلفت الإشارة ينجم ارتفاع الضغط بالدماغ كنتيجة مباشرة لنمو الأورام و إعاقتها لتدفق السائل المُخّي الشوكي أو سدها لقنواته، و من مؤشرات الارتفاع التدريجي لمثل هذا الضغط لدى الأطفال ما دون سن المدرسة ظهور أعراض مختلفة، مثل الاهتياج المستمر، وفقدان الشهية، و تأخر النمو الطبيعي و تراجع و انحدار القدرات العقلية و المهارات الحركية.

      و من الأعراض الشائعة لدى الأطفال بسن المدرسة، ظهور انحدار مفاجيء بالأداء الدراسي و الخمـول و الإعيـاء المتواصل و التقلبات المتطرفة بالشخصية و المزاج، و الشكوى من متاعب جسدية مبهمة، و نوبات الصداع المتقطعة، و من جهة أخرى ثمة أعراض شائعة لدى الأطفال الرضّع تشمل ازدياد حجم الرأس بشكل غير طبيعي قد يكون مصحوبا بظهور انتفاخ بالمواضع اللينة من الجمجمة، إضافة إلى التقيؤ المستمر و ضعف النمو البدني، و تجدر الإشارة إلى أن هذه الأعراض قد لا تعني بالضرورة وجود أورام بالجهاز العصبي المركزي إذ أنها تنتج أيضا عن العديد من الأمراض الأخرى.
 
 
حول التشـخيص

      عند ظهور الأعراض التي يمكن أن تُعزى إلى وجود أورام بالدماغ أو بالحبل الشوكي، يقوم الأطباء بإجراء سلسلة من الفحوصات و التحاليل المخبرية و التي تبدأ بالفحص السريري و تقصي التاريخ الصحي للطفل، لجمع المعطيات عن وظائف الدماغ بفحوصات الأعصاب، و بطبيعة الحال يقوم طبيب اختصاصي بالأعصاب أو جراح مختص بالجراحات العصبية بمثل هذه الفحوصات، و بهذا الصدد نشير إلى أن تشخيص و معالجة أورام الدمـاغ و الحبل الشوكي ينبغي أن تتم بمركز متخصص بأورام الأطفال و على يد فريق متكامل من الأخصائيين، من المعتاد أن يترأسهم جـراح مختص بالأعصاب ( neurosurgeon ) يتولى مسؤولية التشخيص و تقدير الحالة من جميع الجوانب و إجراء الجراحات، يعاونه فريق من الأخصائيين بعلـوم الأمراض و بالأورام و بالعلاج الإشعاعي و بالغدد الصماء، و أطباء نفسيـون و مختصون في المعالجات الطبيعية و إعادة التأهيل، إضافة إلى أخصائيون اجتماعيون و طاقم تمريض اختصاصي بمعالجة الأطفال المرضى بالسرطان.      تبدأ الخطوة التالية،

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

إغلاق