للطب كلمة قبل الزواج

0
153

الفحص الطبي قبل الزواج .. ماذا نتوقع منه ؟
لا يأتي هذا الفحص من باب الرفاهية والكماليات، بل هو من الأمور الملحة التي علينا الإقدام عليها بلا خوف، وكلنا أمل بنتائجها، وبالحلول المبكرة التي قد نستطيع عملها بموجب ذلك.
يجري الفحص قبل الزواج لغايات متنوعة، ويهدف لوضع حلول لقضايا قد تختلف من مجتمع لآخر، ويتم عموماً لشقين: الأول السريري ويشتمل على القصة التي يسمعها الطبيب من شريكي المستقبل ويدونها، وكذلك الفحص الذي قد يلزم إجراؤه لكلا الطرفين، أما القسم الثاني فيتعلق بالاختبارات والفحوص، ولها أنواع منها ما يتعلق بفصائل الدم، ومنها ما يتعلق بالأمراض الجنسية والتناسلية، ومنها ما يتعلق بالخصوبة والإنجاب، ومنها ما يتعلق بالأمراض العامة التي تصيب الجسم وتصنف إلى نوعين حادة ومزمنة، ومنها ما يتعلق بالحالات المعدية، وربما يكون في الإجراءات المزيد حسب الهدف المنشود وحسب الحالة الصحية لعموم المجتمع.
إنه من الضروري أن نسخر العلوم التي علمنا الله سبحانه إياها في سبيل سعادتنا، والوقاية من الأمراض أو على الأقل بعضها جزء من هذه السعادة، والحياة في تطور دائم، ومستجداتها لا تعرف التوقف، ومواكبة ذلك تستحق كل الاهتمام، حيث أن ما يكتشف من الحالات الصحية والوراثية في تزايد مستمر، والحلول كذلك صارت متاحة، وبنفس الوقت فإن الأمراض الجنسية والجسدية وغيرها العديد من الحالات صار لها حلول علمية بمجرد تشخيصها، وهذه كلها مبررات موضوعية تقف في صف هذا الفحص.

وراثة أم بيئة ؟
إن العلاقة ما بين الوراثة والبيئة وطيدة ومتفاعلة على الدوام، حيث لا يشترط أن تعبر الوراثة عن نفسها دائماً، فهناك الكثير من الأمراض التي يكون البدن مؤهلاً لها، ولكن التفاعل ما بين المخزون الوراثي للإنسان والبيئة التي حوله بمفهومها الشامل يؤدي أو لا يؤدي لظهورها، كما أنه يجب أن يبقى في أذهاننا أن المرض الوراثي لا يتوقف عند حدود ما نرثه من أبوينا، فهناك الطفرات المكتسبة خلال الحياة، والتي تحدث إما بشكل عفوي أو كنتيجة لتقدم العمر أو بسبب عوامل بيئية وما أكثر تلك العوامل في عصر لوث فيه الإنسان الماء والأرض وحتى الفضاء.!
إن الحالات الوراثية كثيرة، وهي بتزايد مستمر، وعلى سبيل المثال نذكر أن عدد مداخل الوراثة المندلية قد وصل إلى (346.13) حتى تاريخ 7-2-2002م بعد أن كان (000.10) في نهاية عام 1998م، منها (496.12) مدخل وراثة جسدية، و (750) مدخل وراثة مرتبطة بالصبغي (X)، و (40) مدخل وراثة مرتبطة بالصبغي (Y)، و (59) مدخل وراثة ميتوكوندرية، جدير بالذكر أن هناك أيضاً العديد من الوراثات متعددة العوامل وكذلك الحالات الصبغية والمتلازمات.
قد تظن أن الآخرين فقط هم المعرضون لتلك الحالات، لا، فكل شخص منا معرض لبعضها، لا سمح الله، إن تلك الأمراض تنتشر في كل بقاع المعمورة، ولكن يكثر بعضها في بلاد معينة ولدى شعوب بعينها أكثر من غيرها، وعادة ما يكون المصاب هو الوحيد الذي ألم به المرض من بين أفراد عائلته، وسبب ذلك أن المرض الوراثي يتكرر بنسبة قليلة للغاية، وليس كل ما هو عائلي هو وراثي، فقد يكون السبب عاملاً بيئياً، وكذك فقد يصاب أكثر من طفل بمرض متماثل في نفس العائلة، ويكون الوالدان سليمين، والقضية هنا ليست وراثية، فيجب توخي الحذر قبل توجيه أصابع الاتهام للوراثة.
وعلى الجانب الآخر من الإشكاليات الوراثية نجد ما يدعى بالإضطرابات الصبغية (الكروموزومية)، فلقد تبين وجود اضطراب صبغي في (50 60%) من الإجهاضات العفوية الباكرة، وقسم آخر يفقد في مراحل الحمل المتوسطة والأخيرة، وبذلك فإن (90%) من هؤلاء المشوهين لا يتجاوز مرحلة الحمل، أما الذين يولدون أحياء فإن الكثير منهم يموت في الطفولة، والكثير من الباقين على قيد الحياة لا ينجب، حيث أن (50%) من حالات غياب الطمث (الدورة الشهرية) البدئي تترافق بهذه الاضطرابات، كما أن (10%) من الذكور المصابين بالعقم يكون سبب ذلك هذه الآفات، وكذلك فإن (20%) من حالات التأخر العقلي تتبع هذه الأمراض.

الاستشارة الوراثية.. والبسمة تدوم
الاستشارة الوراثية هي عملية قيام الأهل بطلب الاستشارة من الطبيب حول مرض وراثي، فيقوم الطبيب بعد التأكد من تشخيص المرض بدراسة ممحصة للمرض في العائلة ويناقش الأمر مع الأهل بشكل مفصل.
إن الاستشارة قد تنفع بإذن الله في تشخيص المرض قبل الولادة، وكذلك قد تجري بعد ولادة طفل مصاب لا سمح الله ، إنها تسمح بالحصول على معلومات وراثية، أيضاً قد تسمح بتحديد مدى الخطر على الطفل أو أخوته في المستقبل، كما أنها قد تكون بمثابة دراسة تطمينية من دون وجود مرض، وبالنسبة لدور الأهل في الاستشارة، فدورهم كبير، فالوالدين طرف أساسي في النقاش، وإن كان الطفل المصاب كبيرا يجب أن يناقش أيضاً، إن أفراد العائلة قد يكون بذهنهم بعض التفاسير التي قد يحصلون عليها من مصادر عديدة، وقد تكون هذه المعلومات صحيحة، كما أنها تحتمل الخطأ، ويجب توضيح ذلك.
لقد أصبح من الممكن كشف من يحملون وراثة بعض الأمراض من دون أن يظهر المرض عليهم في أحيان كثيرة، وذلك بمساعدة التقدم العلمي، والحمد لله، واحتمالات الخطأ قليلة جداً، بفضل الله،.
أعود وأؤكد أن الاستشارة الطبية ليست من الترف الطبي، بل على العكس قد تصبح واجبة أحياناً، إنها ليست عيباً، وليست فضولاً أو عبثاً، فقد تكمن فيها سبل الوقاية، وقد تنير طريق العلاج بإذن الله ، كما أنه قد أصبح ممكناً كشف بعض الأمراض والجنين لا يزال في بطن أمه، ومن هذه الأدواء اعتلالات خضاب الدم، كما أن العلاج داخل الرحم قد أصبح ممكناً لبعضها.

زواج الأقارب.. نظرة موضوعية
المقصود بزواج الأقارب أن يتزوج الشخص من أبنة عمه أو أبنة خاله أو ابنة خالته، أو أبنة عمته، أو من عشيرته الأقربين، ويعتبر زواج الأقارب شائعاً في البلدان والمجتمعات العربية والإسلامية، وبالطبع لا توجد دراسات شاملة تغطي كل السكان، ولكن هناك دراسات يؤخذ بها وتمثل شرائح واسعة من المجتمع، ففي دراسات سعودية تبين أن زواج الأقارب يشكل (51 57%) من حالات الزواج، أما في سوريا فإن دراستي الخاصة التي قمت بها في محافظة حماة أشارت إلى أن زواج الأقارب يشكل 3.24% من حالات الزواج وفي شمال الأردن وصلت النسبة إلى ما يقارب 64%، أما في تركيا فالنسبة كانت 23% وفي لبنان 25%، ومصر 29% والسودان 63%، وفي بعض الدراسات الباكستانية وصلت حتى 76%، بالمقارنة مع 1 بالألف في النرويج، و 3 4% في اليابان، و 9% في البرازيل.
تشير قوانين الوراثة إلى أن مورثة مرض معين توجد بنسبة أكبر لدى نفس العائلة، ولذلك يكبر احتمال المرض حين التزاوج بين الأقارب بحيث تكثر إمكانية اجتماع مورثات ذلك المرض من الأب مع مورثة مماثلة من الأم، وتكون النتيجة ظهور المرض لا سمح الله ، وخصوصاً إذا علمنا أن الكثير من الأمراض الوراثية تتبع الوراثة المقهورة أو متعددة العوامل، ولذلك يزداد خطر وجود أمراض معينة لدى الذرية في بعض حالات زواج الأقارب، وتزداد نسبة الخطر أكثر بازدياد درجة القرابة.
يطيب لي أن أذكر قولاً جميلاً يذكره العرب (اغتربوا لا تضووا، إن القرائب يضوين البنين)، كما يحضرني قول الخليفة عمر بن الخطاب

د. عبدالمطلب بن أحمد السح

شارك
المقال السابقمعلومات عامة عن رياضة ذوالاحتياجات الخاصة
المقال التاليالفحص الطبي يساعد الزوجين على اختيار الذرية السليمة

لا يوجد تعليقات

اترك تعليقك