الإسلام والمعوقون

المعوق والمجتمع:
إن نفسية المعوق تختلف اختلافاً كلياً عن صنوه المعافى، ويرجع هذا الشعور الداخلي للمعاق نفسه. فهو يشعر بعجزه عن الاندماج في المجتمع نظراً لظروفه المرضية، مما يجعله يؤثر الحياة داخل قوقعة داكنة اللون، مغلفاً حياته بالحزن والأسى، وكلما تذكر المعوق إصابته، اتسعت الهوة بينه وبين مجتمعه، مما يجعله يزداد نفوراً وتقوقعاً.
هذه هي نظرة المعوق إلى المجتمع، ونلاحظ أنها نظرة يغلفها الخجل والحياء، من الانخراط في دائرة المجتمع المتسعة، كما أن المجتمع نفسه لا ينظر إلى المعوق نظرته إلى الشخص السليم المعافى بل على أساس أنه عالة عليه، وهذا يضاعف من عزلة المعوق وانكماشه، ففي المجتمعات البدائية ينظر الناس إلى العجزة نظرتهم إلى شر مستطير يجب تجنبه، ويشيح البعض بوجوههم إذا مرّوا بهم اتقاءاً للأذى.
كما ذكرت الموسوعة الطبية، ومؤكداً أن المعوق يتأثر من هذه النظرات التي يوجهها له المجتمع أنّى وجد.
فيزداد إحساساً بالعجز والقصور، بل نجد بعض المعوقين يتمنون الموت لاعتقادهم أنه الخلاص الوحيد من واقعه الأليم، وبسبب الخجل الداخلي من مواجهة المجتمع، ونظرة المجتمع القاسية، إلى المعوقين، تتشكل نفسية المعوق مما يجعله ينظر إلى المجتمع والحياة نظرة الخوف والسخط والغضب.

ما قبل الإسلام:
كانت نظرة الناس في العصر الجاهلي إلى المرضى والمعوقين نظرة احتقار وازدراء، فهم كمّ مهمل وليس لوجودهم فائدة تذكر، يضاف إلى هذا الخوف المنتشر من مخالطة المرضى خوف العدوى.
وذكر القرطبي في تفسيره أن العرب كانت قبل البعثة المحمدية تتجنب الأكل من أهل الأعذار، فبعضهم كان يفعل ذلك تقذراً من الأعمى والأعرج، ولرائحة المريض وعلاته.
تلك إذن كانت نظرة المعوق إلى المجتمع ونظرة المجتمع إلى المعوق، ولكن هل كان العرب وحدهم أصحاب هذه النظرة القاسية، والقلوب المتحجرة نحو المرضى؟ من الواجب أن نعترف بأن العرب لم يكونوا وحدهم أصحاب هذه العادات، بل لعلهم أخف وطأة من غيرهم فقد كانت إسبرطة تقضي بإعدام الأولاد الضعاف والمشوهين عقب ولادتهم، أو تركهم في القفار طعاماً للوحوش والطيور.

العصر الإسلامي:
جاء الإسلام ليصحح المسار الخاطئ للبشرية كلها، وليوضح لها الطريق الذي ينبغي أن تتبعه، واستطاع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يزرع القيم الطيبة في النفوس، وأن يقتلع كل ما هو فاسد وقبيح، وتمكن المرضى في ظل التعاليم الإسلامية السمحة أن ينعموا بهدوء البال وراحة النفس، خاصة بعد أن فتح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الباب على مصراعيه أمام المرضى ليطلوا من خلاله على الحياة وتطل الحياة عليهم من خلاله، فعندما قرّر الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا عدوى ولا صفر ولا هامة، هدم الركن الأول الذي كانت حياة المعوق تتشكل عليه، ليس المعوق وحده بل المرضى عموماً لأن هذا الحديث النبوي الشريف كان إيذاناً للمجتمع بمخالطة المرضى دون خوف من العدوى وتشرئب أعناق المرضى وتسعد نفوسهم لولا هذا الخجل الداخلي النابع من إحساسهم بالعجز، ويأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعطيهم جرعات متتالية فيها الشفاء من كل وساوسهم، ويجعلهم يخلعون مختارين الشرنقة الكالحة التي ألبسوها لأنفسهم إلباساً، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخفف من وقع المرض على المصاب: [ما من مُسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقه، إلا كفّر الله بها سيئاته وحطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها] . أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود.
وتتعدد الأحاديث الطيبة التي يقولها الرسول صلى الله عليه وسلم والتي تعطي للمريض عامة الثقة في نفسه، وتمحو عنه دوامات الحزن والأسى كي يستطيع أن ينخرط في المجتمع وينغمس فيه، فالضعيف أمير الركب، وما دام الأمر كذلك فما حاجة المريض والمعوق إذن إلى التقوقع وهو إن خرج سيكون أميراً للركب، وسيتصدر القافلة، وفي هذه الأحاديث هدم للركن الثاني، وأعني به خوف المعوق من المجتمع.

الشبكة الإسلامية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

إغلاق