المعالجة المناعية Immunotherapy: ولادة أمل جديد في سبل مكافحة السرطان

إعداد: د. يحيى الموسىT cell dependent B cell activation

في الرابع من تشرين الثاني عام 2014، وجد الشاب ميلتون رايت البالغ من العمر 24 عاماً، وجد نفسه قد أنهى عقده الثلاثيني من العمر، ليصل إلى نهاية مطافه في هذه الحياة. بعد أن تعطل قطار حياته، ليوقفه عن إتمام تعليمه، وممارسة هوايته في لعب كرة القدم، ومخططه القديم بالانضمام للقوات البحرية، حيث وجد هذا الشاب نفسه في نهاية طريق مسدود، وقد تبددت كل أحلامه على رمال هذا الواقع المرير، رغم أنه يمتلك كل تلك الأحلام إلا أنه بالمقابل مصاب بالسرطان.

عندما كان السيد رايت يمارس نشاطه بالمشي على الرصيف عام 2013، أحس بتكسر في أضلاعه، وتجاوز كل العوائق والعقبات ليصل مجدداً إلى مشفى سيتل لأمراض الأطفال، حيث عاش بالقرب من هذا المستشفى في عمر الثامنة، وذلك عندما تم تشخيص إصابته بابيضاض الدم (اللوكيميا)، حيث أمضى هذا الشاب عدة سنوات هناك لمعالجة نوبات الابيضاض اللمفاوي الحاد (ALL)، كما أصابته النوبة الثانية لهذا المرض عندما كان يبلغ الخامسة عشرة من عمره.

وبعد أن تم فحص أضلاعه، وإجراء لطاخة دموية له، أخبرت ممرضة الإسعاف السيد رايت بضرورة متابعة حالته لدى طبيب مختص بأورام الدم.

يقول السيد رايت: “عندما أنهيت كل هذه الاختبارات، وتم إجراء تصوير شعاعي لأضلاعي المكسورة، وتم أخذ عدة عينات دموية لإجراء لطاخات واختبارات دموية أخرى، أدركت حينها أنهم يعتقدون بأن المرض قد عاود جسمي مجدداً”
للأسف فإن السيد رايت يعلم بأنه حتى الأطفال لا يمكن أن يصابوا باللوكيميا للمرة الثالثة. “حيث أنه لا أحد منهم قد استطاع العيش بعدها، وإن أقصى مدة أستطيع أن أعيشها هي 6 أشهر فقط، عندها أدركت أن حياتي قد شارفت على الانتهاء وأنني سأموت قريباً” يقول السيد رايت.

هذا وقد أكدت الدكتورة ريبيكا غاردنر، طبيبة السيد رايت، بأنه قد أصيب باللوكيميا مجدداً، ولكنها لم تمنحه مدة ستة أشهر، واقترحت بأن يكون هو المريض الثاني الذي سيخضع للتجارب السريرية، حيث لم يتبقى لدى المريض الأول أية أعراض للوكيميا، وذلك فقط بعد 9 أيام من بدء المعالجة.

حيث تدعى هذه المعالجة السريرية الجديدة بالـ CAR T-cell therapy، وهي معالجة تتضمن إعادة تصميم جهاز المناعة الخاص بالمريض، وتوجيهه لاكتشاف الخلايا السرطانية ومهاجمتها.
إذ أن إدارة الدواء والغذاء الأمريكية FDA منحت مؤخراً هذه الطريقة في المعالجة لقب المعالجة الخارقة ، وهي في طريقها الآن للحصول على الموافقات اللازمة للبدء بتطبيقها عالمياً.

هذه المعالجة CAR T-cell therapy هي نوع من المعالجة المناعية، وهي موجة متقدمة من التجارب السريرية، وطرق المعالجة المثبتة حديثاً، والتي تحرض الجهاز المناعي لمكافحة السرطان، كما لو أن الخلايا السرطانية نوع من العدوى الخارجية أو الأمراض الأخرى التي تصيب الجسم. وتحتل هذه المعالجة المناعية الصدارة في مؤتمرات الجمعية الأمريكية لطب الأورام، إذ أن بعض الأطباء والعلماء يدعونها بالسبيل الأسرع للشفاء.

هذا وقد أقرت وكالة الدواء والغذاء الأمريكية هذا العام اثنين من أبرز أدوية المعالجة المناعية لمعالجة الميلانوما (سرطان الجلد) ، والابيضاض اللمفاوي المزمن، ومن بينهما دواء بيمبروليزوماب pembrolizumab، وحاز الموافقة لاستخدامه في معالجة سرطان الجلد (الميلانوما) الشهر الفائت.
“إننا نعلق آمالاً كبيرة على الجهاز المناعي” تقول الدكتورة لين شوشتر Lynn Schuchter رئيس الباحثين في الأورام الدموية، والمعالجة المناعية في جامعة بنسلفانيا.
وتضيف قائلة:”وهذا الأمر يمنحنا توجهات جديدة كلياً في مواجهة ومهاجمة الخلايا السرطانية.”

تحفيز الخلايا التائية Souped-Up T-cellstechnology_immunotherapy1n

من المعروف لدينا أن الخلايا السرطانية تشترك ببعض الصفات مع الخلايا السليمة، لذا فإن الجهاز المناعي لا يستطيع اكتشافها أو التعرف عليها أو حتى أن يدرك بأنها شاذة.

من خلال التجارب السريرية التي أجراها الباحث غاردنر، والتي استطاع عبرها إجراء تعديل جيني على الخلايا التائية للمريض T-cells – وهي إحدى أنواع كريات الدم البيضاء، والتي تجول عبر الدوران الدموي باحثة عن العدوى، بالإضافة للأجسام الغريبة الأخرى التي دخلت للجسم – لتستطيع بذلك إدراك الخلايا السرطانية والتعرف عليها ومن ثم مهاجمتها.

وتجدر الإشارة إلى أن الحمى هي أبرز الدلالات على أن الخلايا التائية تقوم بدورها بشكل فعال، ولكن إذا لم يستطع الطبيب تدبير هذه الحمى، فمن الممكن أن نلجأ إلى قتل الخلايا التائية باستخدام الأدوية المختلفة، وننهي بذلك معالجة السرطان.

وبعد أن أنهى الباحثون إجراء التعديلات على خلايا السيد رايت في المختبرات البحثية، تم إعادة هذه الخلايا لجسمه، عن طريق الحقن الوريدي، وإن كل شخص من الباحثين كان بانتظار ظهور الحمى لدى السيد رايت لنضمن بأن الخلايا التائية المعدلة التي حقنت قد باشرت عملها فعلياً.

وبعد مضي أسبوعين، أسفرت الحمى لدى السيد رايت إلى دخوله لقسم العناية المركزة، وقرر الأطباء بأن يقتلوا هذه الخلايا في النهاية. حيث يقول السيد رايت: ” أنا لم أكن مهيئاً لأن يحصل ذلك لي، وقد سألت إذا كان بالإمكان أن أعطى فرصة ليوم أو اثنين.” وبعد مضي يومين، انخفضت حرارة السيد رايت، وتحسنت حالته الصحية ليصبح مهيئاً بذلك لإجراء بزل قطني spinal tap لتحري حالة اللوكيميا لديه، وبعد عدة أيام تبين أن السرطان قد انتهى من جسده.

هل تعتبر المعالجة المناعية فعالة حقاً في القضاء على السرطان؟

إن السيد رايت والبالغ من العمر 21 عاماً، قد خضع مؤخراً لعملية زرع نقي العظم bone marrow transplant، والتي تعتبر عامل حماية إضافي للوقاية من انتكاس المرض. وإن شفاءه من المرض يشكل معجزة بالنسبة له، ولكن بالنسبة لكثير من الأشخاص الذين يعانون من نوع مماثل من اللوكيميا فقد أمكن التوصل إلى تحقيق هجوع للمرض بعد إجراء هذه المعالجة لديهم.

“إنها ليست وسيلة لمساعدة المرضى فحسب، بل إنها أمل جديد من الممكن أن يزيد عدد المرضى الذين بإمكانهم الشفاء من هذا المرض، عبر زيادة عدد المراكز التي تجري مثل هذه المعالجة” كما يقول الدكتور رينر برينتجن، أستاذ علم الأورام في مركز ميموريال سلوان كيترينغ لأبحاث السرطان Memorial Sloan Kettering Cancer researchs Center، حيث أمضى هذا الباحث قرابة الـ 20 عاماً للوصول إلى معالجة فعالة باستخدام خلايا الجهاز المناعي لمهاجمة ومكافحة الخلايا السرطانية.

ويضيف الدكتور برينتجن قائلاً: “إن هذه النتائج تعطي مؤشراً قوياً بأنك لا تبحث عن علاج لمشكلة فردية تتعلق بشخص واحد فحسب، أو قد تكون هذه الطريقة مجرد ضربة حظ نجحت في شفاء شخص معين وقد تخفق في علاج الآخرين، بل إنها حقاً أفق جديد يفتح أبواب الأمل أمام طرق فعالة في مكافحة هذا المرض العضال”

منذ عام 2009، تمكن الباحثون في مركز سلوان كيترينغ، في جامعة بنسلفانيا، والمعهد الوطني لأبحاث ومعالجة السرطان من إجراء عدد من الدراسات والتجارب السريرية على قرابة الـ 100 مريض، والذين يعانون من الابيضاض اللمفاوي الحاد ALL. حيث تم إخضاعهم لهذه التقنيات من المعالجة المناعية، وإن قرابة أكثر من 70 مريضاً منهم قد تماثلوا للشفاء الجزئي أو الكلي وتمكنوا من الوصول لمرحلة من الهجوع التام للمرض. وإن مثل هذه النتائج هي التي جعلت من هذه المعالجة تكتسب لقب المعالجة الخارقة لدى إدارة الغذاء والدواء الأمريكية الـ FDA.
ويضيف الدكتور برينتجن:” إنه مرض سيء جداً، سيء للغاية، حيث أن مدة ثلاث سنوات هي أقصى ما يستطيع أن يعيشه المريض بعد انتكاس هذا المرض، وإن معظم المرضى الذين قمنا بمتابعة حالاتهم، والذين أخضعناهم للمعالجة بالخلايا المناعية في الفترات الأخيرة، كانت فترة الحياة القصوى المتوقع بأن يعيشوها لا تتجاوز الستة أشهر، وذلك قبل إخضاعهم لتجاربنا السريرية.”

وإن مثل هذه الأبحاث السريرية لا تزال مستمرة بشكل دوري وتعمل على تعديل الخلايا التائية للمرضى الذين يعانون من أنواع أخرى من السرطانات، كاللوكيميا، واللمفوما، والميلانوما، وكل أنواع سرطانات الدم الأخرى.
ولكن السؤال الأبرز الذي يجول بخاطرنا هو: هل يمكن أن نعمم هذا النمط من المعالجة، وهل نستطيع نشر مثل هذه التقنيات وتطبيقها على أنواع أخرى من السرطانات الشائعة؟، مثل سرطان القولون Colon cancer، وسرطان المبيض ovarian cancer، وسرطان الثدي breast cancer.؟
أظهرت الدراسات الأولية التي أجريت في هذا المجال بأن الإجابة على هذا السؤال من الممكن أن تكون في كثير من الأحيان: نعم.

تعطيل أدوات الكبح وإطلاق رد الفعل المناعي في الجسمimmunotherapy_oncosec_blood

في إحدى وسائل المعالجات المناعية الأخرى، حاول الباحثون أن يعطلوا أدوات الكبح في الجهاز المناعي. حيث أن السرطان يسمح له بالنمو، والتطور في أحد أجزاء الجسم، لأن الجهاز المناعي لا يهاجم أي شي صغير قد يعترض طريقه ولا تستمر استجابته المناعية طول الوقت، وذلك بفضل أدوات تمنعه من ذلك تدعى بالكوابح .

حيث أننا ومن دون هذه الكوابح، يمكن أن يبقى الجسم في حالة دائمة من رد الفعل المناعي والتي تتمثل بالحمى، والطفح rash ، أو ما يعرف بالاستجابة المناعية. وتتوجه الأبحاث حالياً ناحية إمكانية تعطيل هذه الكوابح، والسماح مؤقتاً بإطلاق جهاز المناعة لمهاجمة الخلايا السرطانية دون بقية الخلايا في الجسم.

يحتل سرطان الجلد الصدارة في تطبيق هذا النوع من المعالجة المناعية. إذ أن هذا النوع من المعالجة يولد أملاً جديداً وطرقاً واعدة في معالجة أنواع أخرى من السرطانات مثل سرطان الرئة والمثانة والكلى أيضاً.
وهناك أنماط محددة من البروتينات توجد على سطح الخلايا المناعية، وتتحكم بها، وهي ما يدعى أيضاً بالكوابح. وإن الأدوية التي تعطل هذه الكوابح هي أجسام مضادة بشرية المنشأ، تحجب واحداً أو أكثر من هذه البروتينات السطحية.

ولكن تبقى الخطورة الأبرز في هذه المعالجة هي في أن يقوم الجهاز المناعي بمهاجمة الخلايا الطبيعية أيضاً. وقد ينتج عن ذلك الإصابة بالتهاب القولون، وتقرحات أو انثقاب أو تمزق في الأمعاء، أو التهاب الكبد، أو طفح جلدي شديد، أو التهاب في الغدد النخامية والدرقية، وهي حقاً تأثيرات جانبية خطيرة.

فرص وإمكانية الشفاء التام

من الأهداف الأخرى للمعالجة بالأضداد بشرية المنشأ هي تعطيل خطوات مختلفة في مراحل نمو وتطور السرطان.
حيث أن بعض الأشخاص الذين يعانون من نقائل متقدمة للميلانوما، وهو السرطان الجلدي الأكثر فتكاً، من الممكن أن يصلوا لفترة هجوع شبه تام بعد المعالجة بأحد هذه الأدوية المعطلة لكوابح الجهاز المناعي، مثل الايبلي موماب ipilimumab.

في الوقت الذي تم فيه تشخيص إصابة السيد توماس ساسورا بالميلانوما مطلع عام 2010، والذي يبلغ من العمر 55 عاماً، كان هذا السرطان قد انتشر في معظم جسده، ليصل للرئتين والكبد والدماغ أيضاً. حيث أنه شعر فوراً بوجود كتل في ظهره، وتحت ذراعيه، والتي من الممكن ملاحظتها بوضوح.

وقبل أن يخضع السيد ساسورا لآخر جلسات المعالجة الكيميائية في المركز الأمريكي لمعالجة السرطان في ولاية فيلادلفيا الأمريكية، أحس السيد ساسورا وطبيبه خلال الفحص السريري باستمرار وجود بعض الكتل في جسده.
“وذلك عندما تم إعطائي هذا الدواء الجديد Yervoy” يقول السيد ساسورا، لم يكن الطبيب متشجعاً كفاية لوصف هذا الدواء الجديد، حيث أنه لم يكن لديه الفكرة الكافية حول إمكانية استجابة المريض لهذا الدواء.

ولكن لم يكن لدى السيد ساسورا أي شيء ليخسره بالنتيجة، وبعد ثلاثة أسابيع من بدء المعالجة، كل الكتل التي كانت في جسمه بدأت بالاختفاء. ” لم استطع تخيل ذلك، إنها تستغرق فقط ثلاث أو أربع حقن ليتم التخلص منها” يضيف قائلاً!. وبعد أن أنهى السيد ساسورا معالجته – حيث خضع لتسريب هذا الدواء لمدة تجاوزت الـ 12 أسبوعاً – وهو في حالة هجوع تام حتى وقتنا الحالي.

حيث تظهر الصور وجود بعض الخلايا السرطانية في جسمه حتى الآن، ولكنها فقدت القدرة على النمو، وقد تقلصت أحجامها إلى حد كبير. “لا يستجيب كل المرضى لهذا النوع من المعالجة، ولكن لدى البعض منهم، تمكنا من التخلص من الورم نهائياً، وهو أمر غير معتاد مع الميلانوما” يقول الدكتور شوشتر.

ويضيف قائلاً: “قد كان لدينا العديد من المرضى الذين يعانون من النقائل السرطانية، وهم الآن ومنذ أربع سنوات لا يعانون من أية مظاهر للميلانوما، وقد بدأت باستخدام كلمة من المحتمل أن يكونوا قد شفوا تماماً من هذا المرض”
إن مثل هذه الأبحاث تفتح أملاً جديداً حول اكتشاف طرق جديدة لعلاج السرطان، حيث أن هذه النتائج المذهلة تشجعنا على تكرار طرق المعالجة هذه مع عدد أكبر من المرضى، وأنواع أخرى من السرطانات.
وحالياً تم إخضاع الدواء ipilimumab للتجارب السريرية على المرضى الذين يعانون من عدد من السرطانات كسرطان الثدي، والرئتين، وعنق الرحم cervix، والبروستات، والعنق، والبنكرياس، وسرطان الكلى وسرطانات الدم المختلفة أيضاً.

الآفاق المستقبلية المتجددة لمثل هذه المعالجات

بعد مضي سنة أو أكثر على ظهور المعالجة المناعية، فإن الأشخاص مثل السيد ساسورا، والسيد رايت، لن يهتموا بعد الآن في كيفية إنفاق ما تبقى من حياتهم، وكيف يمكنهم أن يعيشوا آخر أيامهم في هذه الحياة.
حيث أن السيد ساسورا قد عاد لمزاولة عمله في تصميم الحمامات، والمطابخ. كما أن السيد رايت عاد لممارسة رياضته المفضلة في النادي الرياضي بعد عدة أشهر من خضوعه لعملية زرع النقي.
وبالنسبة للسيد رايت :”من الصعب جداً أن أدرك أنني شفيت، فعندما أقول أنني شفيت من السرطان، لا أشعر بأني متأكد من ذلك 100 %، ولكن وفقاً لتحاليلي الدموية، لا يوجد أي مؤشر لوجود خلية سرطانية واحدة في جسمي، أنا أشعر بأن هذه المعالجة أدت دورها بشكل فعال، وأنني حقاً قد شفيت بفضلها”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق